فهرس الكتاب

الصفحة 6552 من 8321

ثم قال تعالى: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي { كُرْهًا } بضم الكاف ، والباقون بفتحها ، قيل هما لغتان: مثل الضعف والضعف ، والفقر والفقر ، ومن غير المصادر: الدف والدف ، والشهد والشهد ، قال الواحدي: الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه ، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [ البقرة: 216 ] فهذا بالضم ، وقال: { أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهًا } [ النساء: 19 ] فهذا في موضع الحال ، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن ، وما كان اسمًا نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن .

المسألة الثانية: قال المفسرون . حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة ، وليس يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، وقد قال تعالى: { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } [ الأعراف: 189 ] يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت فحينئذ { حَمَلَتْهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا } يريد شدة الطلق .

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن حق الأم أعظم ، لأنه تعالى قال أولًا: { وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } فذكرهما معًا ، ثم خص الأم بالذكر ، فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا } وذلك يدل على أن حقها أعظم ، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر ، والأخبار مذكورة في هذا الباب .

ثم قال تعالى: { وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْرًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: هذا من باب حذف المضاف ، والتقدير ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن ، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام ، فكيف عبّر عنه بالفصال؟ قلنا: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلائمه ، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالًا .

المسألة الثانية: دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرًا ، قال: { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [ البقرة: 233 ] فإذا أسقطت الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرًا من الثلاثين ، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر . روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه ، وكانت قد ولدت لستة أشهر ، فأمر برجمها ، فقال علي: لا رجم عليها ، وذكر الطريق الذي ذكرناه ، وعن عثمان أنه هم بذلك ، فقرأ ابن عباس عليه ذلك .

واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضًا على أن الأمر كذلك ، قال أصحاب التجارب: إن لتكوين الجنين زمانًا مقدرًا ، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين ، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم ، فلنفرض أنه يتم خلقه في ثلاثين يومًا ، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين ، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون حتى صار المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر ، فحينئذ ينفصل الجنين ، فلنفرض أنه يتم خلقه في خمسة وثلاثين يومًا فيتحرك في سبعين يومًا ، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مائة وأربعون يومًا صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام ، وهو سبعة أشهر انفصل الولد ، ولنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يومًا ، فيتحرك في ثمانين يومًا ، فينفصل عند مائتين وأربعين يومًا ، وهو ثمانية أشهر ، ولنفرض أنه تمت الخلقة في خمسة وأربعين يومًا ، فيتحرك في تسعين يومًا ، فينفصل عند مائتين وسبعين يومًا ، وهو تسعة أشهر ، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب . قال جالينوس: إن كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل ، فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة ، وزعم أو علي بن سينا أنه شاهد ذلك ، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن ، وبحسب التجارب الطيبة شيئًا واحدًا ، وهو ستة أشهر ، وأما أكثر مدة الحمل ، فليس في القرآن ما يدل عليه ، قال أبو علي بن سينا: في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء ، بلغني من حيث وثقت به كل الثقة ، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولدًا قد نبتت أسنانه وعاش . وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال: أزمنة الولادة ، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان ، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر ، وربما وضعت في الثامن ، وقلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر ، والغالب هو الولادة بعد التاسع . قال أهل التجارب: والذي قلناه من أنه إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين ، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين ، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد ، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام ، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان ، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت