فهرس الكتاب

الصفحة 4818 من 8321

وثالثها: أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار ولعل في شرعه جواز الاستغفار للكافر الذي يرجي منه الإيمان ، والدليل على وقوع هذا الاحتمال قوله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم } [ التوبة: 113 ] فبين أن المنع من الاستغفار إنما يحصل بعد أن يعرفوا أنهم من أصحاب الجحيم . ثم قال بعد ذلك: { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } [ التوبة: 114 ] فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو آمن ، فلما لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرأ منه ، فإن قيل فإذا كان الأمر كذلك فلم منعنا من التأسي به في قوله: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبراهيم } [ الممتحنة: 4 ] إلى قوله { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة: 4 ] قلنا الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك لكن المنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية . فإن كثيرًا من الأشياء هي من خواص رسول الله A ولا يجوز لنا التأسي به مع أنها كانت مباحة له عليه السلام . ورابعها: لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى وحسنات الأبرار سيئآت المقربين ، أما قوله: { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا } أي لطيفًا رفيقًا يقال أحفى فلان في المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ في الرفق ، ومنه قوله تعالى: { وإِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ } [ محمد: 37 ] أي وإن لطفت المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه عليّ عودني الإجابة فإذا أنا استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له الغفران . «الجواب الثاني» من الجوابين قوله: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } الاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمراد أني أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم أيضًا وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر والذي خلقني وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك ، فواجب على مجانبتكم ومعنى قوله: { عسى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } أرجو أن لا أكون كذلك ، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله: { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء: 82 ] وأما قوله: { شَقِيًّا } مع ما فيه من التواضع لله ففيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولًا في قوله: { لَمْ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا } [ مريم: 42 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت