فهرس الكتاب

الصفحة 6293 من 8321

ثم قال: { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق } والمعنى أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوتة ، فلكل واحد منهم في درجات المعرفة والطاعة حد محدود لا يتجاوزه ولا يتعداه ، وهو المراد من قوله { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } أي الملائكة لما قضي بينهم بالحق قالوا الحمد لله ربّ العالمين على قضائه بيننا بالحق ، وههنا دقيقة أعلى مما سبق وهي أنه سبحانه لما قضى بينهم بالحق ، فهم ما حمدوه لأجل ذلك القضاء ، بل حمدوه بصفته الواجبة وهي كونه ربًا للعالمين ، فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم وإنما حمد الإنعام ، وأما من حمد المنعم لا لأنه وصل إليه النعمة فههنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد ، هذا إذا قلنا إن قوله { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش } شرح أحوال الملائكة في الثواب ، أما إذا قلنا إنه من بقية شرح ثواب المؤمنين ، فتقريره أن يقال إن المتقين لما قالوا { الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } فقد ظهر منهم أنهم في الجنة اشتغلوا بحمد الله وبذكره بالمدح والثناء ، فبيّن تعالى أنه كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال بهذا التحميد والتمجيد ، فكذلك حرفة الملائكة الذين هم حافون حول العرش الاشتغال بالتحميد والتسبيح ، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة ، وحينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين وأن الملائكة المقربين يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد الله وتسبيحه ، فكان ذلك سببًا لمزيد التذاذهم بذلك التسبيح والتحميد .

ثم قال: { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق } أي بين البشر ، ثم قال: { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } والمعنى أنهم يقدمون التسبيح ، والمراد منه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بالإلهية .

وأما قوله تعالى: { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } فالمراد وصفه بصفات الإلهية ، فالتسبيح عبارة عن الاعتراف بتنزيهه عن كل ما لا يليق به وهو صفات الجلال ، وقوله { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } عبارة عن الإقرار بكونه موصوفًا بصفات الإلهية وهي صفات الإكرام ، ومجموعهما هو المذكور في قوله { تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام } [ الرحمن: 78 ] وهو الذي كانت الملائكة يذكرونه قبل خلق العالم وهو قولهم { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } [ البقرة: 30 ] وفي قوله { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } دقيقة أخرى وهي أنه لم يبين أن ذلك القائل من هو ، والمقصود من هذا الإبهام التنبيه ، على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة الجلال والكبرياء ليس إلا أن يقولوا { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وتأكد هذا بقوله تعالى في صفة أهل الجنة { دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } [ يونس: 10 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت