فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين ، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه ، وأيضًا فقوله { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } فيه زيادة مزية ، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه مواليًا فالنهي عن اتخاذه مواليًا لا يوجب النهي عن أصل مولاته .
قلنا: هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلّت على سقوط هذين الاحتمالين .
المسألة الثانية: إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي ، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج: ولو رفع على الخبر لجاز ، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمنًا فلا ينبغي أن يتخذ الكافر وليًا .
واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهيًا عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهيًا عن ذلك ، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك .
المسألة الثالثة: قوله { مِن دُونِ المؤمنين } أي من غير المؤمنين كقوله { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } [ البقرة: 23 ] أي من غير الله ، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان ، تقول: زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم إن من كان مباينًا لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملًا في معنى غير ، ثم قال تعالى: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء } وفيه حذف ، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأسًا ، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي ، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب
ويحتمل أن يكون المعنى: فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ .
ثم قال تعالى: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ الكسائي: تقاة بالإمالة ، وقرأ نافع وحمزة: بين التفخيم والإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء ، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة ، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف .
المسألة الثانية: قال الواحدي: تقيته تقاة ، وتقى ، وتقية ، وتقوى ، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الاتقياء ، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر ، كما يقال: جلس جلسة ، وركب ركبة ، وقال الله تعالى: