فهرس الكتاب

الصفحة 6273 من 8321

أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة ، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم ، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية ، بل نقول لعله يعفو مطلقًا ، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك ، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم .

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة ، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج . الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: { ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ } وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب الثالث: أنه تعالى قال: { أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه بل هو عائد إليهم ، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم ، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم الرابع: أنه قال: { لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمرًا بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم الخامس: أنه تعالى قال أولًا: { يا عِبَادِى } وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال: { لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها ، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل السادس: أنه لما قال: { لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعًا ولكنه لم يقل ذلك ، بل أعاد اسم الله وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد ، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن السابع: أنه لو قال: { يَغْفِرُ الذنوب } لكان المقصود حاصلًا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعًا وهذا أيضًا من المؤكدات الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفورًا ، ولفظ الغفور يفيد المبالغة التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيمًا والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله { إِنَّهُ هُوَ الغفور } إشارة إلى إزالة موجبات العقاب ، وقوله { الرحيم } إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب العاشر: أن قوله { إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } يفيد الحصر ، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو ، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة ، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية ، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران ، ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت