ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم ، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى ، وعن النبي A أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: « اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به »
المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة { لاَ يرى } بالياء وضمها { مساكنهم } بضم النون ، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي { لاَّ ترى } على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب ، وفي بعض الروايات عن عاصم { لاَّ ترى } بالتاء { مساكنهم } بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم . وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية .
ثم قال تعالى: { كذلك نَجْزِي القوم المجرمين } والمقصود منه تخويف كفار مكة ، فإن قيل لما قال الله تعالى: { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال: 33 ] فكيف يبقى التخويف حاصلًا؟ قلنا: قوله { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلًا قبل نزوله .
ثم إنه تعالى خوف كفار مكة ، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال: { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } قال المبرّد ما في قوله { فِيمَا } بمنزلة الذي . و { إن } بمنزلة ما والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه ، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالًا ، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة . والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وهذا غلط لوجوه الأول: أن الحكم بأن حرفًا من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني: أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة ، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم ، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث: أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى ، قال تعالى: { هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا ورئيا } [ مريم: 74 ] وقال: { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرض } [ غافر: 82 ] .
ثم قال تعالى: { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وأبصارا وَأَفْئِدَةً } والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعًا فما استعملوه في سماع الدلائل ، وأعطيناهم أبصارًا فما استعملوها في تأمل العبر ، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى ، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها ، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئًا .
ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله ، وقوله { إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ } بمنزلة التعليل ، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول: ضربته إذ أساء ، والمعنى ضربته لأنه أساء ، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله ، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم ، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا .
ثم قال تعالى: { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء ، والله أعلم .