« يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة » ونظيره قوله تعالى للملائكة: { أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ: 40 ] والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: { سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } [ سبأ: 41 ] وكما قال لعيسى عليه السلام: { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة: 116 ] والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا ههنا .
الوجه الثالث: هو أن محمدًا E كان من البشر ، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات ، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات ، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس ، ونظيره قوله تعالى: { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } [ هود: 12 ] وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله: { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع . ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع ، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط ، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة بمتساويين ، فهو كلام حق ، لأن معناه أن كون الخمسة زوجًا يستلزم كونها منقسمة بمتساويين ، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية ، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا ، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع ، فليس في الآية دلالة عليه ، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر ، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة .
والوجه الرابع: في تقرير هذا المعنى أن تقول: المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان ، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى ، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات ، وذلك الاستحياء صار مانعًا لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى: { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل ، يعني أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه ، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلًا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب ولا يحصل بسببه نقصان ، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى ، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات .