{ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } [ الأحزاب: 10 ] وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب محمد A: إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبيًا لما سلط الله عليكم الأسر والقتل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
واعلم أن تقدير الآية: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي ، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به ، وابتلاكم بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر والفاقة ، ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو ، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين ، وهو المراد من قوله: { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } والمثل هو المثل وهو الشبه ، وهما لغتان: مثل ومثل كشبه وشبه ، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى: { وَلِلَّهِ المثل الأعلى } [ النحل: 60 ] أي الصفة التي لها شأن عظيم .
واعلم أن في الكلام حذفًا تقديره: مثل محنة الذين من قبلكم ، وقوله: { مَسَّتْهُمْ } بيان للمثل ، وهو استئناف كأن قائلًا قال: فكيف كان ذلك المثل؟ فقال: { مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ } .
أما { البأساء } فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة .
وأما { الضراء } فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف ، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه .
وأما قوله: { وَزُلْزِلُواْ } أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا قال الزجاج: أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه فإذا قلت: زلزلته فتأويله أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه ، وكل ما كان فيه تكرير كررت فيه فاء الفعل ، نحو صر ، وصرصر ، وصل وصلصل ، وكف ، وكفكف ، وأقل الشيء ، أي رفعه من موضعه ، فإذا كرر قيل: قلقل ، وفسر بعضهم { زلزلوا } ههنا بخوفوا ، وحقيقته غير ما ذكرنا ، وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه ، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد ، لأنه يذهب السكون ، فيجب أن يكون زلزلوا ههنا مجازًا ، والمراد: خوفوا ، ويجوز أن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف ، ثم أنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئًا آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة ، فقال: { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله } وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا ، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة ، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } إجابة لهم إلى طلبهم ، فتقدير الآية هكذا: كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم ، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق ، فإن نصر الله قريب ، لأنه آت ، وكل ما هو آت قريب ، وهذه الآية مثل قوله: