المسألة الثالثة: احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون ، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه ، واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته ، فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذبًا وعلمه جهلًا وهو محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان ذلك محالًا وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] .
المسألة الرابعة: إنما حكم الله تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان ، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجة ، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد ، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل .
المسألة الخامسة: اختلفوا في قوله: { مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } قال الحسن والجبائي: أراد جميعهم ، كأنه قال: لا يجتمعون على اتباع قبلتك ، على نحو قوله: { وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى } [ الأنعام: 35 ] وقال الأصم وغيره: بل المراد أن أحدًا منهم لا يؤمن ، قال القاضي: إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلا بد من تأويل الحسن ، وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن وجب أيضًا ذلك التأويل ، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره في رجوع النفي إلى كل واحد منهم ، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله: { مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } وبين قوله: ما تبع أحد منهم قبلتك .
المسألة السادسة: { لَئِنْ } بمعنى { لَوْ } وأجيب بجواب لو وللعلماء فيه خلاف فقيل: إنهما لما تقاربا استعمل كل واحد منهما مكان الآخر ، وأجيب بجوابه نظيره قوله تعالى: { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا } [ الروم: 51 ] ثم قال: { لَّظَلُّواْ } على جواب: { لَوْ } وقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ واتقوا } [ البقرة: 103 ] ثم قال: { لَمَثُوبَةٌ } على جواب: { لَئِنْ } وذلك أن أصل { لَوْ } للماضي { وَلَئِنِ } للمستقبل هذا قول الأخفش وقال سيبويه: إن كل واحدة منهما على موضعها ، وإنما الحق في الجواب هذا التداخل لدلالة اللام على معنى القسم ، فجاء الجواب كجواب القسم .
المسألة السابعة: الآية: وزنها فعلة أصلها: أية ، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفًا لانفتاح ما قبلها ، والآية الحجة والعلامة ، وآية الرجل: شخصه ، وخرج القوم بآيتهم جماعتهم ، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف . وقيل: لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها . وقيل: لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين ، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى .
المسألة الثامنة: روي أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للرسول A: أئتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه الآية والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة .