فهرس الكتاب

الصفحة 917 من 8321

المسألة الثانية عشرة: إذا توجه إلى جهة ثم تغير اجتهاده وهو في الصلاة فعليه أن ينحرف ويتحول ويبني لأن عارض الاجتهاد لا يبطل السابق ، فكذلك فيمن صدق مخبرًا ، ثم جاء آخر نفسه إليه أسكن فأخبره بخلافه ، فهذا ما يتعلق بالمسائل المستنبطة من هذه الآية في حكم الاستقبال والله أعلم .

قوله تعالى: { حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فيه مسألتان:

المسألة الأولى: هذا ليس بتكرار ، وبيانه من وجهين . أحدهما: أن قوله تعالى: { فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } خطاب مع الرسول عليه السلام لا مع الأمة ، وقوله: { حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } خطاب مع الكل . وثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة ، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة ، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة .

المسألة الثانية: قوله: { حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } يعني: وأينما كنتم وموضع ( كنتم ) من الإعراب جزم بالشرط كأنه قيل: حيثما تكونوا ، والفاء جواب .

أما قوله تعالى: { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد بقوله: { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب } اليهود خاصة ، والكتاب هو التوراة عن السدي ، وقيل: بل المراد أحبار اليهود وعلماء النصارى وهو الصحيح لعموم اللفظ والكتاب المتقدم هو التوراة والإنجيل ، ولا بد أن يكونوا عددًا قليلًا لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان .

المسألة الثانية: الضمير في قوله: { أَنَّهُ الحق } راجع إلى مذكور سابق ، وقد تقدم ذكر الرسول كما تقدم ذكر القبلة ، فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها ، ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة ، وأنهم يعلمون أنه الحق ، وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنه أليق بالكلام إذ المقصود بالآية ذلك دون غيره ، ثم اختلفوا في أنهم كيف عرفوا ذلك؟ وذكروا فيه وجوهًا . أحدها: أن قومًا من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وخبر القبلة وأنه يصلي إلى القبلتين . وثانيها: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . وثالثها: أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد A لما ظهر عليه من المعجزات ، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق فكان هذا التحويل حقًا .

وأما قوله: { وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن عمار وحمزة والكسائي: { تَعْمَلُونَ } بالتاء على الخطاب للمسلمين ، والباقون بالياء على أنه راجع إلى اليهود .

المسألة الثانية: إنا إن جعلناه خطابًا للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي لا يخفى على جدكم واجتهادهم في قبول الدين ، فلا أخل بثوابكم ، وإن جعلناه كلامًا مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم ، ويحتمل أيضًا أنه ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم وإن لم يعجلها لهم كقوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } [ إبراهيم: 42 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت