فهرس الكتاب

الصفحة 3237 من 8321

المسألة الثالثة: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره من أربعة أوجه . الأول: أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ، ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفًا بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى ، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها ، وحيث سألها؛ علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى . قال القاضي: الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة: أحدها: ما قاله الحسن وغيره: أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى ، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفًا بربه وبعدله وتوحيده ، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفًا على السمع . وثانيها: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه ، فقد كانوا جاهلين بذلك يكررون المسألة عليه يقولون: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } [ البقرة: 55 ] فسأل موسى الرؤية لا لنفسه ، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه ، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم . وثالثها: أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون ، فمنهم من يقول سأل ربه المعرفة الضرورية . ومنهم من يقول: بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته ، وإن كانت من فعله ، كما نقوله في معرفة أهل الآخرة ، وهو الذي اختاره أبو القاسم الكعبي . ورابعها: المقصود من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي . وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء ، وهو الذي ذكره أو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية . قال أصحابنا أما الوجه الأول ، فضعيف ويدل عليه وجوه: الأول: إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة ، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك ، كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة ، وذلك باطل بإجماع المسلمين . الثاني: أن المعتزلة يدعون العلم الضروري ، بأن كل ما كان مرئيًا ، فإنه يجب أن يكون مقابلًا أو في حكم المقابل . فإما أن يقال إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم . فإن كان الأول كان تجويزه لكونه تعالى مرئيًا ، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلًا في الحيز والجهة ، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة ، فيلزمهم كون موسى عليه السلام كافرًا ، وذلك لا يقوله عاقل . وإن كان الثاني فنقول: لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلًا أو في حكم المقابل علمًا بديهيًا ضروريًا ، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلًا لموسى عليه السلام ، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية ، ومن كان كذلك فهو مجنون ، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام ، ما كان كامل العقل بل كان مجنونًا وذلك كفر بإجماع الأمة ، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام ، ما كان عالمًا بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين ، فكان القول به باطلًا والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت