فهرس الكتاب

الصفحة 3238 من 8321

وأما التأويل الثاني: وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه ، فهو أيضًا فاسد ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى: أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى: لن يروني ، فلما لم يكن كذلك ، بطل هذا التأويل . والثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلبًا للمحال ، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف: 138 ] منعهم عنه بقوله: { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ الأعراف: 138 ] والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته ، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال ، فأما أن لا يذكر شيئًا من تلك الدلائل ألبتة ، مع أن ذكرها كان فرضًا مضيقًا ، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام ، وأنه لا يجوز . والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية ، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام . أو ما آمنوا بها ، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل ، مجرد قول موسى عليه السلام ، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام ، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية ، بل هذا قول افتريته على الله تعالى ، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } .

وأما التأويل الثالث: فبعيد أيضًا ويدل عليه وجوه: الأول: أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمرًا أنظر إلى أمرك ، ثم حذف المفعول والمضاف ، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا ، وهو قوله: { أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى } [ الأعراف: 143 ] فسوف تراني { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف . الثاني: أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل ، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث: أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول: أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد . الرابع: أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده ، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك ، فثبت أن هذا القول فاسد . وأما التأويل الرابع وهو أن يقال: المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه ، فهو أيضًا بعيد ، لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية . علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت