فإذا أبو جهل ، مصروع يخور ، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه ، ولعل هذا معنى قوله: { سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم } [ القلم: 16 ] ثم لما عرف عجزه ولم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة ، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبًا ، فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فقال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي ولا أبغض إلي منه في حال مماتي ، فروى أنه عليه السلام لما سمع ذلك قال: « فرعوني أشد من فرعون موسى فإنه قال { ءامَنتُ } وهو قد زاد عتوًا » ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع ، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله ، ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفًا لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه: أحدها: أنه كلب والكلب يجر والثاني: لشق الأذن فيقتص الأذن بالأذن والثالث: لتحقيق الوعيد المذكور بقوله: { لَنَسْفَعًا بالناصية } فتجر تلك الرأس على مقدمها ، ثم إن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله A وجبريل بين يديه يضحك ، ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن ، فهذا ما روي في مقتل أبي جهل نقلته معنى لا لفظًا ، الخاطىء معنى قوله: { لَنَسْفَعًا بالناصية } .
المسألة الرابعة: الناصية شعر الجبهة وقد يسمى مكان الشعر الناصية ، ثم إنه تعالى كنى ههنا عن الوجه والرأس بالناصية ، ولعل السبب فيه أن أبا جهل كان شديد الاهتمام بترجيل تلك الناصية وتطييبها ، وربما كان يهتم أيضًا بتسويدها فأخبره الله تعالى أنه يسودها مع الوجه .
المسألة الخامسة: أنه تعالى عرف الناصية بحرف التعريف كأنه تعالى يقول: الناصية المعروفة عندكم ذاتها لكنها مجهولة عندكم صفاتها ناصية وأي ناصية كاذبة قولًا خاطئة فعلًا ، وإنما وصف بالكذب لأنه كان كاذبًا على الله تعالى في أنه لم يرسل محمدًا وكاذبًا على رسوله في أنه ساحر أو كذاب أو ليس بنبي ، وقيل: كذبه أنه قال: أنا أكثر أهل هذا الوادي ناديًا ، ووصف الناصية بأنها خاطئة لأن صاحبها متمرد على الله تعالى قال الله تعالى: