{ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } [ الحاقة: 37 ] والفرق بين الخاطىء والمخطىء أن الخاطىء معاقب مؤاخذ والمخطىء غير مؤاخذ ، ووصف الناصية بالخاطئة الكاذبة كما وصف الوجوه بأنها ناظرة في قوله تعالى: { إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } [ القياة: 23 ] .
المسألة السادسة: { نَاصِيَةٍ } بدل من الناصية ، وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة ، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة .
المسألة السابعة: قرىء ناصية بالرفع والتقدير هي ناصية ، وناصية بالنصب وكلاهما على الشتم ، واعلم أن الرسول عليه السلام لما أغلظ في القول لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات ، قال: يا محمد بمن تهددني وأني لأكثر هذا الوادي ناديًا ، فافتخر بجماعته الذين كانوا يأكلون حطامه ، فنزل قوله تعالى: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قد مر تفسير النادي عند قوله: { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } [ العنكبوت: 29 ] قال أبو عبيدة: ناديه أي أهل مجلسه ، وبالجملة فالمراد من النادي أهل النادي ، ولا يسمى المكان ناديًا حتى يكون فيه أهله ، وسمي ناديًا لأن القوم يندون إليه ندًا وندوة ، ومنه دار الندوة بمكة ، وكانوا يجتمعون فيها للتشاور ، وقيل: سمي ناديًا لأنه مجلس الندى والجود ، ذكر ذلك على سبيل التهكم أي: اجمع أهل الكرم والدفاع في زعمك لينصروك .
المسألة الثانية: قال أبو عبيدة والمبرد: واحد الزبانية زبنية وأصله من زبنية إذا دفعته وهو متمرد من إنس أو جن ، ومثله في المعنى والتقدير عفرية يقال: فلان زبنية عفرية ، وقال الأخفش: قال بعضهم واحده الزباني ، وقال آخرون: الزابن ، وقال آخرون: هذا من الجمع الذي لا واحد له من لفظه في لغة الغرب مثل أبابيل وعباديد وبالجملة فالمراد ملائكة العذاب ، ولا شك أنهم مخصوصون بقوة شديدة . وقال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤسهم في السماء ، وقال قتادة: الزبانية هم الشرط في كلام العرب وهم الملائكة الغلاظ الشداد ، وملائكة النار سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار أي يدفعونهم في جهنم .
المسألة الثالثة: في الآية قولان: الأول: أي فليفعل ما ذكره من أنه يدعو أنصاره ويستعين بهم في مباطلة محمد ، فإنه لو فعل ذلك فنحن ندعو الزبانية الذين لا طاقة لناديه وقومه بهم ، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة ، وقيل: هذا إخبار من الله تعالى بأنه يجر في الدنيا كالكلب وقد فعل به ذلك يوم بدر ، وقيل: بل هذا إخبار بأن الزبانية يجرونه في الآخرة إلى النار القول الثاني: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا أي لنسفعًا بالناصية وسندع الزبانية في الآخرة ، فليدع هو ناديه حينئذ فليمنعوه .
المسألة الرابعة: الفاء في قوله: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } تدل على المعجز ، لأن هذا يكون تحريضًا للكافر على دعوة ناديه وقومه ، ومتى فعل الكافر ذلك ترتب عليه دعوة الزبانية ، فلما لم يجترىء الكافر على ذلك دل على ظهور معجزة الرسول A .
المسألة الخامسة: قرىء: { ستدعى } على المجهول ، وهذه السين ليست للشك فإن عسى من الله واجب الوقوع ، وخصوصًا عند بشارة الرسول A بأن ينتقم له من عدوه ، ولعل فائدة السين هو المراد من قوله عليه السلام: « لأنصرنك ولو بعد حين » .