فهرس الكتاب

الصفحة 8020 من 8321

المسألة الثالثة: اعلم أن الله تعالى ذكر مطلق النفس في القرآن فقال: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس: 7 ] وقال: { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } [ المائدة: 116 ] وقال: { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُوَّةَ أَعْيُنِ } [ السجدة: 17 ] وتارة وصفها بكونها أمارة بالسوء ، فقال: { إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء } [ يوسف: 53 ] وتارة بكونها لوامة ، فقال: { بالنفس اللوامة } [ القيامة: 2 ] وتارة بكونها مطمئنة كما في هذه الآية . واعلم أن نفس ذاتك وحقيقتك وهي التي تشير إليها بقولك: ( أنا ) حين تخبر عن نفسك بقولك فعلت ورأيت وسمعت وغضبت واشتهيت وتخيلت وتذكرت ، إلا أن المشار إليه بهذه الإشارة ليس هو هذه البنية لوجهين الأول: أن المشار إليه بقولك: ( أنا ) قد يكون معلومًا حال ما تكون هذه البنية المخصوصة غير معلومة ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم والثاني: أن هذه البنية متبدلة الأجزاء والمشار إليه بقولك: ( أنا ) غير متبدل ، فإني أعلم بالضرورة أني أنا الذي كنت موجودًا قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، والمتبدل غير ما هو غير متبدل ، فإذًا ليست النفس عبارة عن هذه البنية ، وتقول: قال قوم إن النفس ليست بجسم لأنا قد نعقل المشار إليه بقوله: ( أنا ) حال ما أكون غافلًا عن الجسم الذي حقيقته المختص بالحيز الذاهب في الطول والعرض والعمق . والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، وجواب المعارضة بالنفس مذكور في كتابنا المسمى بلباب الإشارات ، وقال آخرون: بل هو جوهر جسماني لطيف صاف بعيد عن مشابهة الأجرام العنصرية نوراني سماوي مخالف بالماهية لهذه الأجسام السفلية ، فإذا صارت مشابكة لهذا البدن الكثيف صار البدن حيًا وإن فارقته صار البدن ميتًا ، وعلى التقدير الأول يكون وصفها بالمجيء والرجوع بمعنى التدبير وتركه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك الوصف حقيقًا .

المسألة الرابعة: من القدماء من زعم أن النفوس أزلية ، واحتجوا بهذه الآية وهي قوله: { ارجعى إلى رَبّكِ } فإن هذا إنما يقال: لما كان موجودًا قبل هذا البدن .

واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد؟ وفيه وجهان الأول: أنه إنما يوجد عند الموت ، وههنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح على الأجساد ، إلا أنه لا يلزم من تقدمها عليها قدمها الثاني: أنه إنما يوجد عند البعث والقيامة ، والمعنى: ارجعي إلى ثواب ربك ، فادخلي في عبادي ، أي ادخلي في الجسد الذي خرجت منه .

المسألة الخامسة: المجسمة تمسكوا بقوله: { إلى رَبّكَ } وكلمة إلى لانتهاء الغاية وجوابه: إلى حكم ربك ، أو إلى ثواب ربك أو إلى إحسان ربك والجواب: الحقيقي المفرع على القاعدة العقلية التي قررناها ، أن القوة العقلية بسيرها العقلي تترقى من موجود إلى موجود آخر ، ومن سبب إلى سبب حتى تنتهي إلى حضرة واجب الوجود ، فهناك انتهاء الغايات وانقطاع الحركات ، أما قوله تعالى: { رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } فالمعنى راضية بالثواب مرضية عنك في الأعمال التي عملتها في الدنيا ، ويدل على صحة هذا التفسير ، ما روى أن رجلًا قرأ عند النبي A هذه الآيات ، فقال أبو بكر: ما أحسن هذا! فقال E: « أما إن الملك سيقولها لك » ثم قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت