ثم قال: { أَنْ أُخْرِجْ } أي أن أبعث وأخرج من الأرض ، وقرىء { أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي } يعني ولم يبعث منهم أحد .
ثم قال: { وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله } أي الوالدان يستغيثان الله ، فإن قالوا: كان الواجب أن يقال يستغيثان بالله؟ قلنا الجواب: من وجهين الأول: أن المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره وإنكاره ، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني: يجوز أن يقال الباء حذف ، لأنه أريد بالاستغاثة ههنا الدعاء على ما قاله المفسرون { يدعون الله } فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار ، لأن الدعاء لا يقتضيه ، وقوله { وَيْلَكَ } أي يقولان له ويلك { آمِنْ } وصدق بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور ، والمراد به الحث ، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك .
ثم قال: { إِنَّ وَعْدَ الله } بالبعث { حق فيقول } لهما { ما هذا } الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه { إِلاَّ أساطير الأولين } .
ثم قال تعالى: { أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } أي حقت عليهم كلمة العذاب ، ثم ههنا قولان: فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر ، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله ، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن ، بل كل ولد كان موصوفًا بالصفة المذكورة؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم ، وقوله { فِي أُمَمٍ } نظير لقوله { فِي أصحاب الجنة } وقد ذكرنا أنه نظير لقوله: أكرمني الأمير في أناس من أصحابه ، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم .
ثم قال: { إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } وقرىء أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد الله حق .
ثم قال: { وَلِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ } وفيه قولان الأول: أن الله تعالى ذكر الولد البار ، ثم أردفه بذكر الولد العاق ، فقوله { وَلِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ } خاص بالمؤمنين ، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة ، ومراتب مختلفة في هذا الباب والقول الثاني: أن قوله { لِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ } عائد إلى الفريقين ، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل النار ، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات ، والنار دركات؟ قلنا فيه وجوه الأول: يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني: قال ابن زيد: درج أهل الجنة يذهب علوًا ، ودرج أهل النار ينزلوا هبوطًا . الثالث: أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة ، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات والطاعات ، وزيادات أهل النار في المعاصي والسيئات .