فهرس الكتاب

الصفحة 4293 من 8321

وقوله: { إِلاَّ مَنِ استرق السمع } لا يمكن حمل لفظة { إِلا } ههنا على الاستثناء ، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها ، وإنما يحاولون القرب منها ، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق ، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع . قال الزجاج: موضع { مِن } نصب على هذا التقدير . قال: وجائز أن يكون في موضع خفض ، والتقدير: إلا ممن . قال ابن عباس: في قوله: { إِلاَّ مَنِ استرق السمع } يريد الخطفة اليسيرة ، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله ، ومنهم من يحيله فيصير غولًا يضل الناس في البراري . وقوله: { فَأَتْبَعَهُ } ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله: { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } [ الأعراف: 175 ] معناه لحقه ، والشهاب شعلة نار ساطع ، ثم يسمى الكواكب شهابًا ، والسنان شهابًا لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار .

واعلم أن في هذا الموضع أبحاثًا دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن ، ونذكر منها ههنا إشكالًا واحدًا ، وهو أن لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم ، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزًا لأن كل غيب يخبر عنه الرسول A قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزًا دليلًا على الصدق ، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي A لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولًا وكون القرآن حقًا ، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز ، وكون الإخبار عن الغيب معجزًا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال ، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد A رسولًا بسائر المعجزات ، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق ، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز ، وبهذا الطريق يندفع الدور ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت