المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية وجوه . الأول: المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم ، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع ، وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة ، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم ، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب ، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ولما كان الغالب في أيام الرسول A الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقًا بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظمًا .
والوجه الثاني: وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزًا فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد ، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار ، وأما الهداية فمن الله تعالى .
واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا ههنا أقوالًا: الأول: المنذر والهادي شيء واحد والتقدير: إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر . الثاني: المنذر محمد A والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس Bهما وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضحاك . والثالث: المنذر النبي . والهادي علي . قال ابن عباس Bهما: وضع رسول الله A يده على صدره فقال: « أنا المنذر » ثم أومأ إلى منكب علي Bه وقال: « أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي » .