الوجه الثالث: في الجواب قال الواحدي: قوله تعالى: { رُسُلٌ مّنكُمْ } أراد من أحدكم وهو الإنس وهو كقوله: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن: 22 ] أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب .
واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر أما هذا الثالث فإنه يوجب ترك الظاهر ، ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل .
أما قوله: { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى } فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف ، فلذلك قالوا: شهدنا على أنفسنا .
فإن قالوا: ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله: { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 23 ] .
قلنا: يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة ، فتارة يقرون ، وأخرى يجحدون ، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه .
ثم قال تعالى: { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر ، فكأنه تعالى يقول: وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا .
ثم قال تعالى: { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } والمراد أنهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم ، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر ، ومن الناس من حمل قوله: { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر ، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية ، وكيفما كان ، فالمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية .
واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ورود الشرع ، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة .