فهرس الكتاب

الصفحة 1051 من 8321

{ والعاقبة للتقوى } [ طه: 132 ] أي للمتقين ومنه قوله: { إِنْ أَصْبَحَ مَاؤكم غَوْرًا } [ الملك: 30 ] أي غائرًا ، وقالت الخنساء:

فإنما هي إقبال وإدبار ... أي مقبلة ومدبرة معًا وثالثها: أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم: هم درجات عند الله أي ذووا درجات عن الزجاج ورابعها: التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل .

واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه: ولكن البر الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن بالله ، وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت { ولكن البر } بفتح الباء ، وقرأ نافع وابن عامر { ولكن } مخففة { البر } بالرفع ، والباقون { لَكِنِ } مشددة { البر } بالنصب .

المسألة السابعة: اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أمورًا الأول: الإيمان بأمور خمسة أولها: الإيمان بالله ، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه ، وكونه عالمًا بكل المعلومات ، قادرًا على كل الممكنات حيًا مريدًا سمعيًا بصيرًا متكلمًا ، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهًا عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية ، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل وثانيها: الإيمان باليوم الآخر ، وهذا الإيمان مفرع على الأول ، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالمًا بجميع المعلومات ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر وثالثها: الإيمان بالملائكة ورابعها: الإيمان بالكتب وخامسها: الإيمان بالرسل ، وههنا سؤالات:

السؤال الأول: إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل ، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل؟ .

الجواب: أن الأمل وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا ، إلا أن ترتيب الوجود على العكس من ذلك ، لأن الملك يوجد أولًا ، ثم يحصل بواسطة تبليغة نزول الكتب ، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول ، فالمراعي في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي ، لا ترتيب الاعتبار الذهني .

السؤال الثاني: لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة؟

الجواب: لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به ، فقد دخل تحت الإيمان بالله: معرفته بتوحيده وعدله وحكمته ، ودخل تحت اليوم الآخر: المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد ، إلى سائر ما يتصل بذلك ، ودخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبي A ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة ، ودخل تحت الكتاب القرآن ، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه ، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم ، وصحة شرائعهم ، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به إلا دخل تحت هذه الآية ، وتقرير آخر: وهو أن للمكلف مبدأ ووسطًا ونهاية ، ومعرفة المبدأ والمنتهي هو المقصود بالذات ، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي ، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب ، والموحى إليه وهي الرسول؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت