فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 8321

المسألة الأولى: في نصب الصابرين أقوال . الأول: قال الكسائي هو معطوف على { ذَوِى القربى } كأنه قال: وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين: قال النحويون: إن تقدير الآية يصير هكذا: ولكن البر من آمن بالله وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين ، فعلى هذا قوله: { والصابرين } من صلة من قوله: { والموفون } متقدم على قوله: { والصابرين } فهو عطف على { مِنْ } فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئًا ، وهذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد ، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه ، أما إن جعلت قوله: { والموفون } رفعًا على المدح ، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز ، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى .

فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل: إن زيدًا فافهم ما أقول رجل عالم ، وكقوله تعالى: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } [ الكهف: 30 ] ثم قال: { أولئك } ففصل بين المتبدأ والخبر بقوله: { إِنَّا لاَ نُضِيعُ } قلنا: الموصول مع الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ والخبر ، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة .

القول الثاني: قول الفراء: إنه نصب على المدح ، وإن كان من صفة من ، وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح ، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد ، وأنشد الفراء:

إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم

وقالوا فيمن قرأ: { حَمَّالَةَ الحطب } [ المسد: 4 ] بنصب { حَمَّالَةَ } أنه نصب على الذم ، قال أبو علي الفارسي: وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها ، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول ، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل ، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان ، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهًا واحدًا . ، وجملة واحدة . ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لم صارا علتين لاختلاف الحركة؟ فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع ، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد فربما أثنى السامع على زيد ، وقال ذكرت والله الظريف ، ذكرت العاقل ، أي هو والله الظريف هو العاقل ، فأراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع ، فجرى الإعراب على ذلك ، وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى أعني الظريف ، وأنكر الفراء ذلك لوجهين الأول: أن أعني إنما يقع تفسيرًا للاسم المجهول ، والمدح يأتي بعد المعروف الثاني: أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقول: قام زيد أخاك ، على معنى: أعني أخاك ، وهذا مما لم تقله العرب أصلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت