فهرس الكتاب

الصفحة 1060 من 8321

أما قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: { كتب } يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } وقال: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية } [ البقرة: 180 ] وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات ، وقال عليه السلام: « ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم » والثاني: لفظة { عَلَيْكُمْ } مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى: { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران: 97 ] وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل ، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله ، قال تعالى { فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا } [ الكهف: 64 ] وقال تعالى: { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ } [ القصص: 11 ] أي اتبعي أثره ، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي ، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس ، ويسمى المقص مقصًا لتعادل جانبيه .

أما قوله تعالى: { فِي القتلى } أي بسبب قتل القتلى ، لأن كلمة { فِى } قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام: « في النفس المؤمنة مائة من الإبل » إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى ، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى ، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضًا في صور كثيرة ، وهي إذا قتل الوالد ولده ، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربيًا أو معاهدًا ، وفيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه .

فإن قيل: قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول: أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل ، أو على ولي الدم ، أو على ثالث ، والأقسام الثلاثة باطلة ، وإنما قلنا: إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه ، بل يحرم عليه ذلك ، وإنما قلنا: إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك ، بل هو مندوب إلى الترك بقوله: { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة: 237 ] والثالث أيضًا باطل لأنه يكون أجنبيًا عن ذلك القتل والأجنبي عن الشي لا تعلق له به .

السؤال الثاني: إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة ، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعًا وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعًا بسبب القتل .

والجواب عن السؤال الأول: من وجهين الأول: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه ، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين ، والتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني: أنه خطاب مع القاتل والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر ، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضًا أن يستترا بستر الله ولا يقرأ ، والفرق أن ذلك حق الآدمي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت