فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 8321

وأما القسم الأول: فقد ذكر الله حكمه في قوله: { وَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .

وأما القسم الثاني: وهو المسافر والمريض اللذان يطيقان الصوم ، فإليهما الإشارة بقوله: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } فكأنه تعالى أثبت للمريض وللمسافر حالتين في إحداهما يلزمه أن يفطر وعليه القضاء وهي حال الجهد الشديد لو صام والثانية: أن يكون مطيقًا للصوم لا يثقل عليه فحينئذ يكون مخيرًا بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية .

القول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولًا بين هذين ، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقًا معينًا .

القول الثالث: أنه نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم قالوا: وتقريره من وجهين أحدهما: أن الوسع فوق الطاقة فالوسع اسم لمن كان قادرًا على الشيء على وجه السهولة أما الطاقة فهو اسم لمن كان قادرًا على الشيء مع الشدة والمشقة فقوله: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة .

الوجه الثاني: في تقرير هذا القول القراءة الشاذة { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } فإن معناه وعلى الذين يجشمونه ويكلفونه ، ومعلوم أن هذا لا يصح إلا في حق من قدر على الشي مع ضرب من المشقة .

إذا عرفت هذا فنقول: القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين أحدهما: وهو قول السدي: أنه هو الشيخ الهرم ، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ، يروى أن أنسًا كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم لكل يوم مسكينًا وقال آخرون: إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما وعلى ولديهما فقال: فأي مرض أشد من الحمل تفطر وتقضي .

واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية ، أما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية؟ فقال الشافعي Bه: عليهما الفدية ، فقال أبو حنيفة: لا تجب حجة الشافعي أن قوله: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } يتناول الحامل والمرض ، وأيضًا الفدية واجبة على الشيخ الهرم فتكون واجبة أيضًا عليهما ، وأبو حنيفة فرق فقال: الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه فلا جرم وجبت الفدية ، أما الحامل والمرضع فالقضاء واجب عليهما ، فلو أوجبنا الفدية عليهما أيضًا كان ذلك جمعًا بين البدلين وهو غير جائز لأن القضاء بدل والفدية بدل ، فهذا تفصيل هذه الأقوال الثلاثة في تفسير قوله تعالى: { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } .

أما القول الأول: وهو اختيار الأصم فقد احتجوا على صحته من وجوه أحدها: أن المرض المذكور في الآية إما أن يكون هو المرض الذي يكون في الغاية ، وهو الذي لا يمكن تحمله ، أو المراد كل ما يسمى مرضًا ، أو المراد منه ما يكون متوسطًا بين هاتين الدرجتين ، والقسم الثاني باطل بالإتفاق ، والقسم الثالث أيضًا باطل ، لأن المتوسطات لها مراتب كثيرة غير مضبوطة ، وكل مرتبة منها فإنها بالنسبة إلى ما فوقها ضعيفة وبالنسبة إلى ما فوقها إلى ما تحتها قوية ، فإذا لم يكن في اللفظ دلالة على تعيين تلك المرتبة مع أن مراد الله هو تلك المرتبة صارت الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، ولما بطل هذان القسمان تعين أن المراد هو القسم الأول ، وذلك لأنه مضبوط ، فحمل الآية عليه أولى لأنه لا يفضي إلى صيرورة الآية مجملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت