المسألة الثالثة: المعتزلة تمكسوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده ، لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا يريد العسر الجواب: يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر ، وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة .
المسألة الرابعة: قالوا: هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعباده فلو أراد بهم أن يكفروا فيصيروا إلى النار ، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقًا به أن يقول: { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } والجواب أنه معارض بالعلم .
أما قوله تعالى: { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهما لغتان: أكملت وكملت .
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } على ماذا علق؟ .
جوابنا: أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف ، ثم فيه وجهان أحدهما: ما قاله الفراء وهو أن التقدير: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون ، فعل جملة لما ذكر وهو الأمر بصوم العدة ، وتعليم كيفية القضاء ، والرخصة في إباحة الفطر ، وذلك لأنه تعالى ما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظًا ثلاثة ، فقوله: { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } علة للأمر بمراعاة العدة { وَلِتُكَبّرُواْ } علة ما علمتم من كيفية القضاء { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخص والتسهيل ، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبله عليه قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } [ الأنعام: 75 ] أي أريناه .
الوجه الثاني: ما قاله الزجاج ، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من التكليف على المقيم صحيح والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة ، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء ، فلا يكون عسرًا ، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيرًا ، بل يكون سهلًا يسيرًا ، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضمارًا وقع بعد قوله: { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } وفي الثاني قبله:
المسألة الثالثة: إنما قال: { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } ولم يقل: ولتكملوا الشهر ، لأنه لما قال: ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعًا ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلًا لعدد المقضي ، ولو قال تعالى: ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء .