{ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة: 183 ] لما اقتضى تحريم الأكل بعد النوم ، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي A أنه تعالى هل يقبل توبتنا؟ فأنزل الله هذه الآية .
واعلم أن قوله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن الله تعالى ، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالًا عن ذات الله تعالى ، أو عن صفاته ، أو عن أفعاله ، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه ، فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات ، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعًا على كونه تعالى سميعًا ، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء ، وهل أذن في الدعاء ، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء ، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة ، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا ، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين ، كما قال تعالى: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [ الإسراء: 110 ] وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا ، وهل يفعل ما نسأله عنه فقوله سبحانه: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } يحتمل كل هذه الوجوه ، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول: أن ظاهر قوله: { عَنّي } يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله والثاني أن السؤال متى كان مبهمًا والجواب مفصلًا ، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين ، فلما قال في الجواب: { فَإِنّي قَرِيبٌ } علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات ، ولقائل أيضًا أن يقول بل السؤال كان على الفعل ، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم ، وهل يحصل مقصود ، بدليل أنه لما قال: { فَإِنّي قَرِيبٌ } قال: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } فهذا هو شرح هذا المقام .
أما قوله تعالى: { فَإِنّي قَرِيبٌ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان ، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين:
المطلوب الأول: في بيان أن هذا القريب ليس قربًا بحسب المكان ، ويدل عليه وجوه الأول: أنه لو كان في المكان مشارًا إليه بالحس لكان منقسمًا ، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد . ولو كان منقسمًا لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء غيره ، فلو كان في مكان لكان مفتقرًا إلى غيره ، والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق ، وذلك في حق الخالق القديم محال ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني: أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات ، أو غير متناه عن جهة دون جهة ، أو كان متناهيًا من كل الجوانب والأول: محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني: محال أيضًا لهذا الوجه ، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهيًا والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه ، فيلزم منه كونه تعالى مركبًا من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك .