فهرس الكتاب

الصفحة 1116 من 8321

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } مختص بالمؤمنين { الذين ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } [ الأنعام: 82 ] وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن الله تعالى قد أجاب دعوته ، صفة مدح وتعظيم ، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين ، والفاسق واجب الإهانة في الدين ، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق ، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة .

أما قوله تعالى: { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: وجه الناظم أن يقال: إنه تعالى قال: أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقًا ، فكن أنت أيضًا مجيبًا لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه ، فما أعظم هذا الكرم ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد: أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي ، وهذا تنبيه على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء ، وأنه غير معلل بطاعة العبد ، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب ، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة .

المسألة الثانية: قال الواحدي: أجاب واستجاب بمعنى واحد: قال كعب الغنوي:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وقال أهل المعنى: الإجابة من العبد لله الطاعة ، وإجابة الله لعبده إعطاؤه إياه مطلوبه ، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به .

المسألة الثالثة: إجابة العبد لله إن كانت إجابة بالقلب واللسان ، فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا التقدير يكون قوله: { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } تكرارًا محضًا ، وإن كانت إجابة العبد لله عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدمًا على الطاعات ، وكان حق النظم أن يقول: فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي ، فلم جاء على العكس منه؟ .

وجوابه: أن الإستجابة عبارة عن الإنقياد والإستسلام ، والإيمان عبارة عن صفة القلب ، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات .

أما قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فقال صاحب «الكشاف» : قرىء { يَرْشُدُونَ } بفتح الشين وكسرها ، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي: اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت