أما قوله تعالى: { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } ففيه إشكالان الأول: أن قوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ الله } إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: { تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة: 229 ] وقال في آية المواريث { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } [ النساء: 140 ] وقال ههنا: { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } فكيف الجمع بينهما؟
والجواب عن السؤالين من وجوه: الأول: وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيدًا عن الطرف فضلًا أن يتخطاه كما قال E: « إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله: { لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } [ الإسراء: 34 ] الثالث: أن الأحكام المذكورة فيما قبل و إن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله: { وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } وقبل هذه الآية قوله: { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار ، وقبل هذه الآية قوله: { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة ، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل ، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات ، لا جرم غلب جانب التحريم فقال: { تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا } أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها .
أما قوله تعالى: { كذلك يبين الله آياته للناس } ففيه وجوه أحدها: المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع ، كذلك يبين سائر أدلته على دينه وشرعه وثانيها: قال أبو مسلم: المراد بالآيات الفرائض التي بينها كما قال: { سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءايات بينات } [ النور: 1 ] ثم فسر الآيات بقوله: { الزانية والزانى } [ النور: 2 ] إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا ، فكأنه تعالى قال: كذلك يبين الله للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما لزم وثالثها: يحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بيانًا سافيًا وافيًا ، قال بعده: { كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ } أي مثل هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس ، والغرض منه تعظيم حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان .
أما قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } فقد مر شرحه غير مرة .