فهرس الكتاب

الصفحة 1145 من 8321

الوجه الثالث: أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم ، فكأنه قيل: اقتلوهم من حيث ثقفتموهم ، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه كقوله: { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } [ التوبة: 52 ] وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز ، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب ، قال تعالى: { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } [ الذاريات: 13 ] ثم قال عقيبه: { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات: 14 ] أي عذابكم ، وقال: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات } [ البروج: 10 ] أي عذبوهم ، وقال: { فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } [ العنكبوت: 10 ] أي عذابهم كعذابه .

الوجه الرابع: أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام ، أشد من قتلكم إياهم في الحرم ، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها .

الوجه الخامس: أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقًا والمعنى: وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم .

أما قوله: { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة ، وقد كان من قبل شرطًا في كل القتال وفي الأشهر الحرم .

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: { وَلاَ تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فَإِن قاتلوكم } كله بغير ألف ، والباقون جميع ذلك بالألف ، وهو في المصحف بغير ألف ، وإنما كتبت كذلك للإيجاز ، كما كتب: الرحمن بغير ألف ، وكذلك: صالح ، وما أشبه ذلك من حروف المد واللين ، قال القاضي C: القراءتان المشهورتان إذا لم يتناف العمل وجب العمل بهما ، كما يعمل بالآيتين إذا لم يتناف العمل بهما ، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي فيه ، فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه ، يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولًا فبعد ذلك كيف يصير قاتلًا لغيره؟ فقال حمزة: إن العرب إذا قتل رجل منهم قالوا قتلنا ، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت