فهرس الكتاب

الصفحة 1186 من 8321

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولا قيث بعد الموت من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا

والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم ، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال: وتزودوا ما تبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد: أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت . وروى محمد ابن جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي: وهذا بعيد لأن قوله: { فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } راجع إلى قوله: { وَتَزَوَّدُواْ } فكان تقديره: وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان أحدهما: أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك ، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية والثاني: أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد: وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى .

أما قوله تعالى: { واتقون } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إن قوله: { واتقون } فيه تنبيه على كمال عظمة الله وجلاله وهو كقول الشاعر:

أنا أبو النجم وشعري شعري ... المسألة الثانية: أثبت أبو عمرو الياء في قوله: { واتقون } على الأصل ، وحذفها الآخرون للتخفيف ودلالة الكسر عليه .

أما قوله تعالى: { يأُوْلِي الألباب } فاعلم أن لباب الشيء ولبه هو الخالص منه ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، فقال بعضهم: إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان ، والذي تميز به الإنسان عن البهائم وقرب من درجة الملائكة ، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين ، وشر الشرين ، وقال آخرون: أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل ، والقلب قد يجعل كناية عن العقل قال تعالى: { إِنَّ فِى ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ } [ ق: 37 ] فكذا ههنا جعل اللب كناية عن العقل ، فقوله: { يأُوْلِي الألباب } معناه: يا أولي العقول ، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور ، فإنه يقال لمن له غيرة وحمية: فلان له نفس ، ولمن ليس له حمية: فلان لا نفس له فكذا ههنا .

فإن قيل: إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء فما الفائدة في قوله: { يأُوْلِي الألباب } .

قلنا: معناه: إنكم لما كنتم من أولي الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح ، ولهذا قال الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام

ولهذا قال تعالى: { أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [ الأعراف: 179 ] يعني الأنعام معذورة بسبب العجز ، أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش ، فلا جرم كانوا أضل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت