{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } [ محمد: 22 ] فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض ، وقطع الارحام ، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن ، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب ، لأنه تعالى قال: { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة .
القول الثاني: في تفسير قوله: { وَإِذَا تولى } وإذا صار واليًا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل ، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية ، لأن المقصود بيان نفاقه ، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة ، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد .
المسألة الثانية: قوله: { سعى فِى الأرض } أي اجتهد في إيقاع القتال ، وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس ، ومنه يقال: فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خلالكم يَبْغُونَكُمُ الفتنة } [ التوبة: 47 ] .
المسألة الثالثة: من فسر الفساد بالتخريب قال: إنه تعالى ذكره أولًا على سبيل الإجمال ، وهو قوله: { لِيُفْسِدَ فِيهَا } ثم ذكره ثانيًا على سبيل التفصيل فقال: { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } ومن فسر الإفساد بإلقاء الشبهة قال: كما أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم ، وثانيهما العمل ، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشهبات ، وثانيهما فعل المنكرات ، فههنا ذكر تعالى أولًا من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات ، وهو المراد بقوله: { لِيُفْسِدَ فِيهَا } ثم ذكر ثانيًا إقدامه على المنكرات ، وهو المراد بقوله: { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال: المراد بالحرث الزرع ، وبالنسل تلك الحمر ، والحرث هو ما يكون منه الزرع ، قال تعالى: { أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ } [ الواقعة: 63 ] وهو يقع على كل ما يحرث ويرزع من أصناف النبات ، وقيل: إن الحرث هو شق الأرض ، ويقال لما يشق به: محرث ، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب ، والنسل في اللغة: الولد ، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم: نسل ينسله إذا خرج فسقط ، ومنه نسل ريش الطائر ، ووبر البعير ، وشعر الحمار ، إذا خرج فسقط ، والقطعة منها إذا سقطت نسالة ، ومنه قوله تعالى: { إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } [ يس: 51 ] أي يسرعون ، لأنه أسرع الخروج بحدة ، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه ، والناس نسل آدم ، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج ، وأما من قال: إن سبب نزول الآية: أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعًا ، فالمراد بالحرث: إما النسوان لقوله تعالى: