{ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [ الأنفال: 46 ] وقال تعالى: { الحساب يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا } [ آل عمران: 200 ] وقال: { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [ آل عمران: 103 ] وقال E:"المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه"وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها: أن قوله: { يا أيها الذين آمنوا } إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله: { ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي ، وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله ، فيصح أن يسمي تركها بالسلم ، أو يكون المراد منه: كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات ، وترك المحظورات ، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر وثانيها: أن يكون المراد من السلم كون العبد راضيًا ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث «الرضا بالقضاء باب الله الأعظم» وثالثها: أن يكون المراد ترك الإنتقام كما في قوله: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا } [ الفرقان: 72 ] وفي قوله: { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف: 199 ] فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية .
المسألة الرابعة: قال القفال { كَافَّةً } يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم . ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، قال قطرب: تقول العرب: رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي C: هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها ، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال: كففت فلانًا عن السوء أي منعته ، ويقال: كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار ، وقيل لطرف اليد: كف لأنه يكف بها عن سائر البدن ، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر ، فالكافة معناها المانعة ، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة وذلك لأن الإجتماع يمنع من التفرق والشذوذ ، فقوله: { ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئًا من شرائعه ، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحدًا من أن لا يدخل فيه .
أما قوله تعالى: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } فالمعنى: ولا تطيعوه ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره ، ولا فرق بين ذلك وبين قوله: اتبعت خطواته . وخطوات / جمع خطوة ، وقد تقدم ذلك .
أما قوله تعالى: { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } فقال أبو مسلم الأصفهاني: إن مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره ، وأقول: الذي يدل على صحة هذا المعنى قوله: { حم والكتاب المبين } [ الزخرف: 1 ، الدخان: 1 ] ولا يعني بقوله مبينًا إلا ذلك .
فإن قيل: كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع كلامه .