فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 8321

وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى: { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } يتناول جميع الكفار ، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين ، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرًا لهم ، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر ، وحينئذ يصير دورًا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرًا لهم ، فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس ، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضًا ، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف ، وأما قوله: المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفًا بالزينة ، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزينًا ، وعلى هذا التقدير سقط كلامه ، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، فلم لا يجوز أن يقال: الله تعالى أخبر عن حسنه ، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات ، والإخبار عن ذلك ليس بكذب ، والتصديق بها ليس بكفر ، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية .

التأويل الثاني: قال أبو مسلم: يحتمل في { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم: أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهبًا ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة: { أنى يُؤْفَكُونَ } [ المائدة: 75 ، التوبة: 30 ، المنافقون: 4 ] ، { أنى يُصْرَفُونَ } [ غافر: 69 ] إلى غير ذلك ، وأكده بقوله تعالى: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله } [ المنافقون: 9 ] فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب ، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرًا فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه ، واعلم أن هذا ضعيف ، وذلك لأن قوله: { زُيّنَ } يقضي أن مزينًا زينه ، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن .

التأويل الثالث: أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما: قراءة من قرأ { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } على البناء للفاعل الثاني: قوله تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا } [ الكهف: 7 ] ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوهًا الأول: يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة ، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده ، ونظيره قوله تعالى: { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } [ آل عمران: 14 ] إلى قوله: { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات } [ آل عمران: 15 ] وقال أيضًا: { المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت