أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربًا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلبًا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقنًا بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان .
فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } .
المسألة الثالثة: { الشر } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله:
وحتى أشرت بالأكف المصاحف ... والشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة .
المسألة الرابعة: { عَسَى } توهم الشك مثل { لَعَلَّ } وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى { لَعَلَّ } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة: 183 ] قال الخليل: { عَسَى } من الله واجب في القرآن قال: { فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح } [ المائدة: 52 ] وقد وجد { وَعَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } [ يوسف: 83 ] وقد حصل والله أعلم .
أما قوله تعالى: { والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعًا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروهًا للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلًا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .