[ الصافات: 162 ، 163 ] وقال: { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة } [ آل عمران: 7 ] أي المحنة في الدين وقال: { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } [ المائدة: 49 ] وقال: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الممتحنة: 5 ] وقال: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين } [ يونس: 85 ] والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيّكُمُ المفتون } [ القلم: 5 ، 6 ] قيل: المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول .
فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا: إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلًا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي .
روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله A من مكة ، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى: { وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [ البقرة: 120 ] .
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ما زال يفعل كذا ، ولا يزال يفعل كذا ، قال الواحدي: هذا فعل لا مصدر له ، ولا يقال منه: فاعل ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال كثير نحو { عَسَى } ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك: ذو ، وما فتىء ، وهلم ، وهاك ، وهات ، وتعال ، ومعنى: { لا يَزَالُونَ } أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه: ما ، كان ذلك نفيًا للنفي فيكون دليلًا على الثبوت الدائم .
المسألة الثانية: قوله: { حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى: ليردوكم .
المسألة الثالثة: قوله: { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } استبعاد لاستطاعتهم ، كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليِّ وهو واثق بأنه لا يظفر به .
ثم قال تعالى: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الواحدي قوله: { وَمَن يَرْتَدِدْ } أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني: وهو أكثر في اللغة من الإدغام ، وقوله: { فَيَمُتْ } هو جزم بالعطف على { يَرْتَدِدْ } وجوابه { فَأولَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } .
المسألة الثانية: لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ، ذكر بعده وعيدًا شديدًا على الردة ، فقال: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة } واستوجب العذاب الدائم في النار .
المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر ، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام ، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي ، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة ، فالإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر لا يكون كفرًا إلا إذا مات الكافر عليه ، قالوا: لأن من كان مؤمنًا ثم ارتد والعياذ بالله فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانًا في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي ، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى الاستحقاقان وهو محال ، وإما أن يقال: إن الطارىء يزيل السابق وهذا محال لوجوه أحدها: أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارىء ، فليس كون الطارىء مزيلًا للسابق أولى من كون السابق دافعًا للطارىء ، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وثانيها: أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين ، كان شرط طريان الطارىء زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال وثالثها: أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارىء ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر ، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر ، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب وهو باطل بالإجماع ، وإن ازداد أحدهما على الآخر ، فلنفرض أن السابق أزيد ، فعند طريان الطارىء لا يزول إلا ما يساويه ، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية ، فيكون ذلك ترجيحًا من غير مرجح وهو محال ، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارىء الزائد ، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة وهو محال ، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارىء دون البعض ، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحًا للمثل من غير مرجح وهو محال ، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمنًا ثم كفر ، فذلك الإيمان السابق ، وإن كنا نظنه إيمانًا إلا أنه ما كان عند الله إيمانًا ، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيمانًا ، والكفر كفرًا ، وهذا هو الذي دلت الآية عليه ، فإنها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن يموت المرتد على تلك الردة .