وقوله: { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } فالكلام فيه على نحو ما تقدم .
أما قوله: { أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: هذه الآية نظير قوله: { مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار } [ غافر: 41 ] .
فإن قيل: فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلًا ، فكيف يدعون إليها .
وجوابه: أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهًا أحدها: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار ، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض ، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه .
فإن قيل: احتمال المحبة حاصل من الجانبين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافرًا بسبب الألفة والمحبة ، يحتمل أيضًا أن يصير الكافر مسلمًا بسبب الألفة والمحبة ، وإذا تعارض الإحتمالان وجب أن يتساقطا ، فيبقى أصل الجواز .
قلنا: إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة ، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة ، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع ، وبين أن يلحقه ضرر عظيم ، وفي مثل هذه الصورة يجب الإحتراز عن الضرر ، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق .
التأويل الثاني: أن في الناس من حمل قوله: { أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار } أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقًا بين الذمية وبين غيرها ، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق .
التأويل الثالث: أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار ، فهذا هو الدعوة إلى النار { والله يَدْعُو إلى الجنة } حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلمًا من أهل الجنة .
أما قوله تعالى: { والله يَدْعُو إلى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ } ففيه قولان:
القول الأول: أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة ، فكأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء الله تعالى ، وأن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني: أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها ، قال: { والله يَدْعُواْ إِلَى الجنة والمغفرة } لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة .
أما قوله: { بِإِذْنِهِ } فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة ، ونظيره قوله: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ يونس: 100 ] وقوله: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران: 145 ] وقوله: { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ البقرة: 102 ] وقرأ الحسن { والمغفرة بِإِذْنِهِ } بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره .
أما قوله تعالى: { وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فمعناه ظاهر .