والوجه الثاني: في الجواب أنّا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءًا تامًا ، وعلى هذا التقدير لم يلزم دخول النقصان في شيء من القرء .
الحجة الثالثة: لهم: أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال: { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } [ الطلاق: 4 ] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار وأيضًا لما كان الأشهر شرعت بدلًا عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها ، فإن الأشهر لا بد من إتمامها وجب أيضًا أن يكون الكمال معتبرًا في المبدل ، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض ، أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض .
الحجة الرابعة: لهم: قوله A: « طلاق الأمة تطليقتان ، وعدتها حيضتان » وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة ، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض .
الحجة الخامسة: أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة ، فكذا العدة تكون بالحيضة ، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد .
الحجة السادسة: لهم: أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم ، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر .
الحجة السابعة: لهم: أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة ، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فإن جعلنا القرء هو الحيض ، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها ، وإن جعلنا القرء طهرًا ، فحينئذ يحل للغير التزوج بها ، وجانب التحريم أولى بالرعاية ، لقوله A: « ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال » ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة ، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط ، فكان أولى لقوله A: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » فهذا جملة الوجوه في هذا الباب .
واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات ، ويكون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه .
أما قوله تعالى: { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنيًا على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء ، وضع الحمل في حق الحامل ، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذرًا جعلت المرأة أمينة في العدة ، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها ، وهو على مذهب الشافعي Bه اثنان وثلاثون يومًا وساعة ، لأن أمرها يحمل على أنها طقلت طاهرة فحاضت بعد سعة ، ثم حاضت يومًا وليلة وهو أقل الحيض ، ثم طهرت خمسة عشر يومًا وهو أقل الطهر ، مرة أخرى يومًا وليلة ، ثم طهرت خمسة عشر يومًا ، ثم رأت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار ، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها ، وكذلك إذا كانت حاملًا فادعت أنها أسقطت كان القول قولها ، لأنها على أصل أمانتها .