{ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيرًا } [ الفرقان: 1 ] وثانيها: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الدين ، قالوا: والدليل عليه أن قوله: { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من بيان الأحكام ، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أن ذلك التكليف عام ، قال تعالى: { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران: 97 ] وثالثها: أن بيان الأحكام وإن كان عامًا في حق المكلفين ، إلا أن كون ذلك البيان وعظًا مختص بالمؤمنين ، لأن هذه التكاليف إنما توجب على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز ، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها ، فإنها إنما تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير ، ثم قال: { ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ } يقال: زكا الزرع إذا نما فقوله: { أزكى لَكُمْ } إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم ، وقوله: { وَأَطْهَرُ } إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي التي يكون حصولها سببًا لحصول العقاب ، ثم قال: { والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } والمعنى أن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة ، إلا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير ، لأنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات ، فلما كان كذلك صح أن يقول: { والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ويجوز أن يراد به والله يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير طريقة الوعد والوعيد .