فهرس الكتاب

الصفحة 1352 من 8321

المسألة الثانية: المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه ، إلا ما تتسع له قدرته ، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة ، ولا يبلغ استغراقها ، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك ، وهو نظير قوله في سورة الطلاق: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ثم قال: { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى } ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله: { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ مَا ءاتاها } [ الطلاق: 6 ، 7 ] .

المسألة الثالثة: المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا ما يقدرون عليه ، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحدًا إلا ما تتسع له قدرته ، والوسع فوق الطاقة ، فإذا لم يكلفه الله تعالى ما لا تتسع له قدرته ، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى .

ثم قال: { لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي { لاَ تُضَارَّ } بالرفع والباقون بالفتح ، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله: { لاَ تُكَلَّفُ } قال علي بن عيسى: هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو: ضربت زيدًا لا عمرًا فأما أن يقال: يقوم زيد لا يقعد عمرو ، فهو غير جائز على النسق ، بل الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في النهي كما يقال: لا يضرب زيد لا تقتل عمرًا وأما النصب فعلى النهي ، والأصل لا تضار فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين ، يقال: يضارر رجل زيدًا ، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف ، فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى ، فصار لا تضار ، كما تقول: لا تردد ثم تدغم فتقول: لا ترد بالفتح قال تعالى: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } [ المائدة: 54 ] وقرأ الحسن: { لاَ تُضَارَّ } بالكسر وهو جائز في اللغة ، وقرأ أبان عن عاصم { لاَ تُضَارر } مطهرة الراء مكسورة على أن الفعل لها .

المسألة الثانية: قوله: { لاَ تُضَارَّ } يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين نظرًا لحال الإدغام الواقع في تضار أحدهما: أن يكون أصله لا تضار بكسر الراء الأولى ، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة للضرار والثاني: أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الضرار ، وعلى الوجه الأول يكون المعنى: لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد ، وذلك بأن تمتنع المرأة من إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة ، فتلقى الولد عليه ، وعلى الوجه الثاني معناه: لا تضارر ، أي لا يفعل الأب الضرار بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له ، وقوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } أي: ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقي الولد عليه ، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت