فهرس الكتاب

الصفحة 1378 من 8321

الآية الرابعة: قوله تعالى: { وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفًا مِّنَ اليل } [ هود: 114 ] فالمراد بطرفي النهار: الصبح ، والعصر ، وقوله: { وَزُلَفًا مِّنَ اليل } المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر ، لأن لفظ زلفًا جمع فأقله الثلاثة .

المسألة الثانية: اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها ، أعني طهارة البدن ، والثوب ، والمكان ، والمحافظة على ستر العورة ، واستقبال القبلة ، والمحافظة على جميع أركان الصلاة ، والمحافظة على الاحتراز عن جميع مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان ، أو من أعمال الجوارح ، وأهم الأمور في الصلاة ، رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة ، قال تعالى: { وأقم الصلاة لذكري } [ طها: 14 ] فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظًا على الصلاة وإلا فلا .

فإن قيل: المحافظة لا تكون إلا بين اثنين ، كالمخاصمة ، والمقاتلة ، فكيف المعنى ههنا؟ .

والجواب: من وجهين أحدهما: أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب ، كأنه قيل له: احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله: { فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة: 152 ] وفي الحديث: « احفظ الله يحفظك » الثاني: أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة ، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه الأول: أن الصلاة تحفظه عن المعاصي ، قال تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت: 45 ] فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني: أن الصلاة تحفظه من البلايا والمحن ، قال تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة: 153 ] وقال تعالى: { وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة } [ المائدة: 12 ] ومعناه: إني معكم بالنصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث: أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصليها ، قال تعالى: { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله } [ البقرة: 110 ] ولأن الصلاة فيها القراءة ، والقرآن يشفع لقارئه ، وهو شافع مشفع وفي الخبر: « إنه تجىء البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان » وأيضًا في الخبر « سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه » والله أعلم .

المسألة الثالثة: اختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب .

فالقول الأول: أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها ، ولم يبين لنا أنها أي صلاة هي ، وإنما قلنا: إنه لم يبين لأنه لو بين ذلك لكان إما أن يقال: إنه تعالى بينها بطريق قطعي ، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه بيان إما أن يكون بهذه الآية ، أو بطريق آخر قاطع ، أو خبر متواتر ولا يمكن أن يكون البيان حاصلًا في هذه الآية ، لأن عدد الصلوات خمس ، وليس في الآية ذكر لأولها وآخرها ، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن يقال: إنما هي الوسطى ، وإما أن يقال: بيان حصل في آية أخرى أو في خبر متواتر ، وذلك مفقود ، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس فغير جائز ، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات ، وهذه المسألة ليست كذلك ، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ثم قالوا: والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد ، مع أنه تعالى لم يبينها جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعيًا إلى أداء الكل على نعت الكمال والتمام ، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان ، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفًا من الموت في كل الأوقات ، فيكون آتيًا بالتوبة في كل الأوقات ، وهذا القول اختاره جمع من العلماء ، قال محمد بن سيرين: إن رجلًا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها ، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها ، فقال: يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظًا على الوسطى ثم قال الربيع: لو علمتها بعينها لكنت محافظًا لها ومضيعًا لسائرهن ، قال السائل: لا . قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت