المسألة الأولى: قرأ نافع وحده { عَسَيْتُمْ } بكسر السين ههنا ، وفي سورة محمد A ، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون: هو عسى بكذا وهذا يقوي { عَسَيْتُمْ } بكسر السين ، ألا ترى أن عسى بكذا ، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز { عسى رَبُّكُمْ } أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين الأول: أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة ، وليست الياء من { عَسَى } كذلك ، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة ، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى .
والجواب الثاني: هب أن القياس يقتضي جواز { عسى رَبُّكُمْ } إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان ، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر .
المسألة الثانية: خبر { هَلْ عَسَيْتُمْ } وهو قوله: { أَن لا تقاتلوا } والشرط فاصل بينهما ، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل { هَلُ } مستفهمًا عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقع كائن له ، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: { هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر } معناه التقرير ، ثم إنه تعالى ذكر أن القوم قالوا: { وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل فِى سَبِيلِ الله } وهذا يدل على ضمان قوي خصوصًا واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك ، وهو قولهم: { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته .
فإن قيل: المشهور أنه يقال: مالك تفعل كذا؟ ولا يقال: مالك أن تفعل كذا؟ قال تعالى: { مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [ نوح: 13 ] وقال: { وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله } [ الحديد: 8 ] .
والجواب من وجهين: الأول: وهو قول المبرد: أن { مَا } في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه قال: ما لنا نترك القتال ، وعلى هذا الطريق يزول السؤال .
الوجه الثاني: أن نسلم أن { مَا } ههنا بمعنى الاستفهام ، ثم على هذا القول وجوه الأول: قال الأخفش: أن ههنا زائدة ، والمعنى: ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف ، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل الثاني: قال الفراء: الكلام ههنا محمول على المعنى ، لأن قولك: مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال تعالى: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ }