فإن قيل: المفهوم من قوله: { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } هو المفهوم من قوله: { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } فما الفائدة في التكرير؟ وأيضًا قوله: { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } كلام كلي ، وقوله بعد ذلك: { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله بعد ذلك: { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركًا .
والجواب: أن قوله: { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله: { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريرًا .
أما قوله تعالى: { وءَاتينا عيسى ابن مريم البينات } ففيه سؤالات:
السؤال الأول: أنه تعالى قال في أول الآية: { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال: { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال: { وآتينا عيسى بن مريم البينات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى؟ .
والجواب: أن قوله: { مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } أهيب وأكثر وقعًا من أن يقال منهم من كلمنا ، ولذلك قال: { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيمًا } فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة .
وأما قوله: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله: { وَءاتَيْنَا } ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء .
السؤال الثاني: لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما؟ .
والجواب: سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضًا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل: هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا .
السؤال الثالث: تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلتم: إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات أقوى؟ فنقول: إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة .
الجواب: المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة .
السؤال الرابع: البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام .