فأولها: أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء ، وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وجزؤه غيره ، وكل مركب فهو متقوّم بغيره ، والمتقوم بغيره لا يكون متقومًا بذاته ، فلا يكون قيومًا ، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد ، فهذا الأصل له لازمان أحدها: أن واجب الوجود واحد ، بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته ، إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب ، وتباينا في التعين ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركبًا من جزأين ، وقد بينا أنه محال .
اللازم الثاني: أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزًا ، لأن كل متحيز فهو منقسم ، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيزًا امتنع كونه في الجهة ، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة ، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون .
وثانيها: أنه لما كان قيومًا كان قائمًا بذاته ، وكونه قائمًا بذاته يستلزم أمور:
اللازم الأول: أن لا يكون عَرَضًا في موضوع ، ولا صورة في مادة ، ولا حالاّ في محل أصلًا لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيومًا بذاته .
واللازم الثاني: قال بعض العلماء: لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم ، فإذا كان قيومًا بمعنى كونه قائمًا بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضرة عند ذاته ، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور ، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته ، وكل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره ، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقومًا لغيره ، وذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لا بدّ وأن يكون له شعور بفعله وإن كان بالإيجاب لزم أيضًا كونه عالمًا بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه ، وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائمًا بالنفس لذاته كونه عالمًا بذاته ، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيومًا كونه عالمًا بجميع المعلومات .