فهرس الكتاب

الصفحة 1447 من 8321

قدرها المهيمن القيوم ... المسألة الثانية: اختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب ، فقال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء ، وتأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم ، وفي أرزاقهم ، ونظيره من الآيات قوله تعالى: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد: 33 ] وقال: { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ } [ آل عمران: 18 ] إلى قوله { قَائِمًَا بالقسط } وقال: { إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ } [ فاطر: 41 ] وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقومًا لغيره ، وقال الضحاك: القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير ، وأقول: هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائمًا بنفسه في ذاته وفي وجوده ، وقال بعضهم: القيوم الذي لا ينام بالسريانية ، وهذا القول بعيد ، لأنه يصير قوله { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } .

أما قوله تعالى: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: { السنة } ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس .

فإن قيل: إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قال: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، وكان ذكر النوم تكريرًا .

قلنا: تقدير الآية: لا تأخذه سنة فضلًا عن أن يأخذه النوم .

المسألة الثانية: الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على الله تعالى ، لأن هذه الأشياء ، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو عن أضداد العلم ، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم الله تعالى ، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالمًا ، ويصح أن لا يكون عالمًا ، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل ، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال ، وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا .

المسألة الثالثة: يروى عن الرسول A أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه: هل ينام الله تعالى أم لا ، فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ بهما ، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، فضرب الله تعالى ذلك مثلًا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت