فهرس الكتاب

الصفحة 1449 من 8321

وأقول: إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الاعتقاد في كلماتهم ، ومع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم ، وذلك لأن من مذهب البصريين منهم أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول ، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا يقع ، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ على قولهم ، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلًا ، فإن كان القفال على مذهب الكعبي ، فحينئذ يستقيم هذا الاستدلال ، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه الأول: أن العقاب حق الله تعالى وللمستحق أن يسقط حق نفسه ، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون لله تعالى أن يسقطه ، وهذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي والثاني: أن قوله: لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي إن أراد به أنه لا يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل ، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام الطيبات ، والتمكين من المرادات وإن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه ، فكيف لا يقول ذلك والمطيع لا يكون له جزع ، ولا يكون خائفًا من العقاب ، والمذنب يكون في غاية الخوف وربما يدخل النار ويتألم مدة ، ثم يخلصه الله تعالى عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول A .

واعلم أن القَفّال C كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة .

أما قوله تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : الضمير لما في السموات والأرض ، لأن فيهم العقلاء ، أو لما دل عليه { مَن ذَا } من الملائكة والأنبياء .

المسألة الثانية: في الآية وجوه أحدها: قال مجاهد ، وعطاء ، والسدي { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما كان قبلهم من أمور الدنيا { وَمَا خَلْفَهُمْ } ما يكون بعدهم من أمر الآخرة والثاني: قال الضحاك والكلبي { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها { وَمَا خَلْفَهُمْ } الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم والثالث: قال عطاء عن ابن عباس { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من السماء إلى الأرض { وَمَا خَلْفَهُمْ } يريد ما في السموات الرابع { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } بعد انقضاء آجالهم { وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما كان من قبل أن يخلقهم والخامس: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك .

واعلم أن المقصود من هذا الكلام: أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب ، لأنه عالم بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية ، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله تعالى ، ولا يعلمون أن الله تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك ، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت