فهرس الكتاب

الصفحة 1452 من 8321

أما قوله تعالى: { وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا } فاعلم أنه يقال: آده يؤده: إذا أثقله وأجهده ، وأدت العود أودًا ، وذلك إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته ، والمعنى: لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما أي حفظ السموات والأرض .

ثم قال: { وَهُوَ العلى العظيم } واعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه العلو بالجهة ، وقد دللنا على ذلك بوجوه كثيرة ، ونزيد هاهنا وجهين آخرين الأول: أنه لو كان علوه بسبب المكان ، لكان لا يخلو إما أن يكون متناهيًا في جهة فوق ، أو غير متناه في تلك الجهة ، والأول باطل لأنه إذا كان متناهيًا في جهة فوق ، كان الجزء المفروض فوقه أعلى منه ، فلا يكون هو أعلى من كل ما عداه ، بل يكون غيره أعلى منه ، وإن كان غير متناه فهذا محال ، لأن القول بإثبات بعد لا نهاية له باطل بالبراهين اليقينية ، وأيضًا فإنا إذا قدرنا بعدًا لا نهاية له ، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية ، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى ، وإما أن لا يحصل ، فإن كان الأول كانت النقطة طرفًا لذلك البعد ، فيكون ذلك البعد متناهيًا ، وقد فرضناه غير متناه . هذا خلف ، وإن لم يوجد فيها نقطة إلا وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلًا ، ولا يكون فيها ما يكون فوقًا على الاطلاق ، فحينئذ لا يكون لشيء من النفقات المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة وذلك ينفي صفة العلوية .

الحجة الثانية: أن العالم كرة ، ومتى كان الأمر كذلك فكل جانب يفرض علوًا بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلًا بالنسبة إلى الوجه الثاني ، فينقلب غاية العلو غاية السفل .

الحجة الثالثة: أن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته ، وللآخر بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل ، وفي العرضي أقل وأضعف ، فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفة ذاتية ، ولكان حصول هذا العلو لله تعالى حصولًا بتبعية حصوله في المكان ، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى ، فيكون علو الله ناقصًا وعلو غيره كاملًا وذلك محال ، فهذه الوجوه قاطعة في أن علو الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة ، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت