فهرس الكتاب

الصفحة 1476 من 8321

أما قوله { كَيْفَ ننشرها } فالمراد يحييها ، يقال: أنشر الله الميت ونشره ، قال تعالى: { ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله تعالى: { قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا } [ ياس: 78 ، 79 ] وقرىء { ننشرها } بفتح النون وضم الشين ، قال الفرّاء: كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي ، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف ، فهو كأنه مطوي ما دام ميتًا ، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي ، وقرأ حمزة والكسائي { كَيْفَ نُنشِزُهَا } بالزاي المنقوطة من فوق ، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض ، وانشاز الشيء رفعه ، يقال أنشزته فنشز ، أي رفعته فارتفع ، ويقال لما ارتفع من الأرض نشز ، ومنه نشوز المرأة ، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج ، ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فتردها إلى أماكنها من الجسد ونركب بعضها على البعض ، وروي عن النخعي أنه كان يقرأ { ننشِزُهَا } بفتح النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال: نشزته وأنشزته أي رفعته ، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام ، ثم بسط اللحم عليها ، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها ، ورفع بعضه إلى جنب البعض ، فيكون كل القراءات داخلًا في ذلك .

ثم قال تعالى: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } وهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } والمعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه وقال صاحب «الكشاف» : فاعل { تَبَيَّنَ لَهُ } مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا عندي فيه تعسف ، بل الصحيح أنه لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي { قَالَ أَعْلَمُ } على لفظ الأمر وفيه وجهان أحدهما: أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، قال الأعشى:

ودع أمامة إن الركب قد رحلوا ... والثاني: أن الله تعالى قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش: قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم { ربي أرني كيف تحيي الموتى } [ البقرة: 260 ] ثم قال في آخرها { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة: 260 ] قال القاضي: والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز ، أما الاخبار عن أنه حصل كان جائزًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت