فهرس الكتاب

الصفحة 1494 من 8321

أما قوله تعالى: { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } فاعلم أن الضمير في قوله { لاَّ يَقْدِرُونَ } إلى ماذا يرجع؟ فيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى معلوم غير مذكور ، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان ، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه ، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر ، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال C تعالى ، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني: أنه عائد إلى قوله { كالذى يُنفِقُ مَالَهُ } وخرج على هذا المعنى ، لأن قوله { كالذى يُنفِقُ مَالَهُ } إنما أشير به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال C: وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردودًا على قوله { لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى } فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وجرين بِهِمُ } [ يونس: 22 ] .

ثم قال: { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } ومعناه على قولهم: سلب الإيمان ، وعلى قول المعتزلة: إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم .

ثم قال تعالى: { وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ والله بِمَا تعملون بصير } .

إعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون مانًا ومؤذيًا ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما: طلب مرضاة الله تعالى ، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك: بغيت وابتغيت .

والغرض الثاني: هو تثبيت النفس ، وفيه وجوه أحدها: أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى ، وهذا قول القاضي وثانيها: وتثبيتًا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد { وَتَثْبِيتًا مّنْ بَعْضُ أَنفُسِهِمْ } وثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه { مِنْ } التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معًا فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت