فهرس الكتاب

الصفحة 1508 من 8321

{ رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا } [ الشعراء: 83 ] وهو الحكمة النظرية { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ الشعراء: 83 ] الحكمة العملية ، ونادى موسى عليه السلام فقال: { إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ } وهو الحكمة النظرية ، ثم قال: { فاعبدنى } وهو الحكمة العملية ، وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال: { إِنّى عَبْدُ الله } [ مريم: 30 ] الآية ، وكل ذلك للحكمة النظرية ، ثم قال: { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا } [ مريم: 31 ] وهو الحكمة العملية ، وقال في حق محمد A: { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله } [ محمد: 19 ] وهو الحكمة النظرية ، ثم قال: { واستغفر لِذَنبِكَ } [ غافر: 55 ] [ محمد: 19 ] وهو الحكمة العملية ، وقال في جميع الأنبياء { يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ } [ النحل: 2 ] وهو الحكمة النظرية: ثم قال: { فاتقون } وهو الحكمة العملية ، والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين ، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم ، وهي كالنحلة من النحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولب وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال: أمر حكيم ، أي محكم ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، قال الله تعالى: { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } [ الدخان: 4 ] وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى .

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { وَمنْ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } بمعنى: ومن يؤته الله الحكمة ، وهكذا قرأ الأعمش .

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ، لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم ، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن فسرناها بالأفعال الحسيّة فالأمر ظاهر ، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسيّة ثابتًا من غيرهم ، وبتقدير مقدر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق ، فدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى .

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوّة والقرآن ، أو قوة الفهم والحسيّة على ما هو قول الربيع بن أنس .

قلنا: الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات ، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء ، فتكون الحكمة مغايرة للنبوّة والقرآن ، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء ، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف ، قلنا: كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار ، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم ، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الالطاف ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت