فهرس الكتاب

الصفحة 1528 من 8321

أما قوله تعالى: { لاَ يَقُومُونَ } فأكثر المفسرين قالوا: المراد منه القيام يوم القيامة ، وقال بعضهم: المراد منه القيام من القبر ، واعلم أنه لا منافاة بين الوجهين ، فوجب حمل اللفظ عليهما .

أما قوله تعالى: { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: التخبط معناه الضرب على غير استواء ، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: إنه يخبط خبط عشواء ، وخبط البعير للأرض بأخفافه ، وتخبطه الشيطان إذا مسّه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الادهاش ، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة ، ويقال: به خبطة من جنون ، والمس الجنون ، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس ، وأصله من المس باليد ، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه ، ثم سمي الجنون مسًا ، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله ، فسمي الجنون خبطة ، فالتخبط بالرجل والمس باليد ، ثم فيه سؤالان:

السؤال الأول: التخبط تفعل ، فكيف يكون متعديًا؟ .

الجواب: تفعل بمعنى فعل كثير ، نحو تقسمه بمعنى قسمه ، وتقطعه بمعنى قطعه .

السؤال الثاني: بم تعلق قوله { مِنَ المس } .

قلنا: فيه وجهان أحدهما: بقوله { لاَ يَقُومُونَ } والتقدير: لا يقومون من المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني: أنه متعلق بقوله { يقوم } والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس .

المسألة الثانية: قال الجبائي: الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل ، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه:

أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشيطان { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } [ إبراهيم: 22 ] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء والثاني: الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم ، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد ، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفًا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها ، وذلك جهالة عظيمة ، ولأنه لو كان جسمًا كثيفًا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ، وأما إن كان جسمًا لطيفًا كالهواء ، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة ، فيمتنع أن يكون قادرًا على أن يصرع الإنسان ويقتله الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى الطعن في النبوّة الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان ، ولم لا يغصب أموالهم ، ويفسد أحوالهم ، ويفشي أسرارهم ، ويزيل عقولهم؟ وكل ذلك ظاهر الفساد ، واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين الأول: ما روي أن الشياطين في زمان سليمان بن داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله عنهم أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت