« اللّهم يسر لكل منفق خلفًا ولممسك تلفًا » وثانيها: أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل ، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال وثالثها: أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة ورابعها: الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء والضعفاء ، فكل أحد يحترز عن منازعته ، وكل ظالم ، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من ماله ، اللّهم إلا نادرًا ، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا .
وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول الله A: « إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد » وتصديق ذلك بين في كتاب الله { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات } [ التوبة: 104 ] { يَمْحَقُ الله الرباا وَيُرْبِى الصدقات } [ البقرة: 276 ] قال القفال C تعالى: ونظير قوله { يَمْحَقُ الله الرباا } المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا ، ونظير قوله { وَيُرْبِى الصدقات } المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .
أما قوله { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } فاعلم أن الكفار فعال من الكفر ، ومعناه من كان ذلك منه عادة ، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا ، فتقول: فلان فعال للخير أمار به ، والأثيم فعيل بمعنى فاعل ، وهو الآثم ، وهو أيضًا مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه ، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدًا ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعًا إلى المستحيل ، والأثيم يكون راجعًا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ، فتكون الآية جامعة للفريقين .